في
ليلة من الليالي الملاح،
في
فرح ومرح ووليمة عرس،
وطرب
خليجي أصيل،
وفي
وسط كومة سوداء في ركن صالة الاستقبال،
تصادف
التقاء عباءة حريرية مطرزة مع عباءة بالية خشنة الملمس.
ترفعت
العباءة الثمينة وأخذت تتباهى بأصلها قائلة:
" ولدت على يد خياطة أجنبية ماهرة؛ ما
كادت تخلصني من تحت براثن الإبرة والدبابيس حتى ألقت بي على كتفي سيدتي الحسناء ؛
فرحت أذوب نشوة وأنا أتنفس الصعداء في شذا عطرها الخلاب، وأنعم بنظافة جلدها
وملابسها.
ودبّت في الحياة بانتعاشة الهواء الطلق عندما خرجت بي سيدتي،
تتبختر بين محلات العطور الفاخرة ؛ وأنا
أرفرف حولها، وأداعب جسمها الجميل، وألف ساقيها بحنان ودلال. ثم أخذتني في
الكاديلاك التي كانت تنتظرها، وانطلقنا إلى قصرها العامر، حيث خلعتني برفق، فطوتني
بعناية وأودعتني هدوء خزانتها. ومنذ ذلك اليوم السعيد وأنا أنعم بالعيش الرغيد ، في
مسكن تفوح منه رائحة الياسمين و العود.
أتردد مع سيدتي على الحفلات الساهرة، واستلقي على الفرش الوثير، ولا أبالي
بانسكاب بقع الشربات علي قماشي في الأفراح والولائم … ولكن …..... من أين أنت؟ وما
حكايتك؟"
تنهدت
العباءة القديمة وهي تحاول أن تتذكر، فلم تعثر في ماضيها على نصف يوم سعيد، فقالت
بحسرة:
" منذ ألقى بي الخياط الهندي في كيس خشن،
وأنا لم أعرف طعم الاستقرار. فمن أيدي
محسنة إلى أيدي محتاجة، ومن جسم نحيل لجسم مريض، والأيام تتداولني. لم أر في
البيوت غير الفقر والظلام، و لم أشم سوى رائحة البصل و الثوم، ولم أذق يوما أكثر من بقع السمن الرخيص والدواء
المر، ولم أنبطح على أحسن من البلاط البارد القاسي.
كنت
أبيت في مأوى للفئران التي كانت تلتحفني بالليل وتقرقضني بالنهار. وها أنا ذا أدخل
بيتا فيه عرس لأول مرة في حياتي، مدعوة مع سيدتي لكي نساعد أهل العروس في الطبخ
والتنظيف. جئت راجية متمنية أن يجودوا
علي بشيء من كرمهم، لعلي أجد بقعة من دسم أو نقطة من شراب الورد."
وفجأة،
توقف الطرب، وهدأت أنفاس الراقصات.
ورفعت
الموائد وانتهى الحفل كما انتهى الحوار.
وقامت
المدعوات تكررن التهاني وتستأذن أهل العروس في الانصراف.
وفي
جلبة السلامات والتمنيات الطيبة والقبلات المودعة، وفي غمرة الزحام والفرحة، وفي
الضوء الخافت جدا ................
امتدت علي
استعجال يد خشنة سمراء تلتقط عباءة حريرية
مطرزة، بينما امتدت يد ناعمة بيضاء لتلتقط عباءة قديمة بالية .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق